وهبة الزحيلي
14
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة . و خرّج البخاري عن البراء : أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وإنه صلّى أول صلاة صلّاها العصر ، وصلّى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلّى مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمرّ على أهل المسجد ، وهم راكعون ، فقال : أشهد باللّه ، لقد صلّيت مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت ، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال قتلوا ، ولم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ . ففي هذه الرواية : صلاة العصر ، وفي رواية مالك : صلاة الصبح . ويستفاد من الآية وهذه الأحاديث أمور ثلاثة : 1 - من لم يبلغه الناسخ يظل متعبّدا ( مطالبا ) بالحكم الأول ، لأن أهل قباء لم يزالوا يصلّون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي ، فأخبرهم بالناسخ ، فمالوا نحو الكعبة ، فالناسخ رافع للحكم الأول ، لكن بشرط العلم به ، لأن الناسخ خطاب ، ولا يكون خطابا في حقّ من لم يبلغه . 2 - دلّ ذلك على قبول خبر الواحد ، وهو مجمع عليه من السلف ، معلوم بالتواتر من عادة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في توجيهه ولاته ورسله آحادا للآفاق ، ليعلّموا الناس دينهم ، فيبلّغوهم سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الأوامر والنواهي . 3 - فهم مما ذكر أن القرآن الكريم كان ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا بعد شيء ، وفي حال بعد حال ، على حسب الحاجة إليه ، حتى أكمل اللّه دينه ، كما قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة 5 / 3 ] .